أبو نصر الفارابي

37

الجمع بين رأيي الحكيمين

عدل إلى حالته . فالوسط العدل هو الذي يعينه العقل بالحكمة تبعا للظروف . لذلك نعد الشجاعة ، مثلا ، وسطا عدلا بين الافراط ، وهو التهور ، والتفريط ، وهو الجبن ، ونعد السخاء وسطا عدلا بين افراط هو التبذير وتفريط هو التقتير ، ونعد العفة وسطا عدلا بين افراط هو الشره وتفريط هو الجمود . ثم نرى الشجاعة والسخاء والعفة تتفاوت في أوساطها بتفاوت الافراد واختلاف الظروف ، حتى أن الأرملة الفقيرة التي تجود بدانق أسخى من الغني الذي يعطي مبلغا ضخما هو بعض فضلة . بل إن الوسط الفاضل اعتباري لا رياضي ، حتى مع غض النظر عن الشخص وظروفه ، ذلك أنه أميل لأحد الطرفين منه للاخر ، فالشجاعة أقرب للتهور منها للجبن ، والسخاء أقرب للتبذير منه للتقتير ، والعفة أقرب لجمود الشهوة منها للشره ، اي انه تارة يكون أقرب للافراط ، وطورا أقرب للتفريط . ومما تجب ملاحظته ، ان الفضيلة ، وان تكن من حيث ماهيتها وسطا بين طرفين مرذولين ، الّا انها من حيث الخير حد أقصى وقمة ، إذ ان الوسط هو ما تعينه الحكمة بعد تدبير جميع الظروف ، هو ما يجب فعله « هنا والآن » فهو خير بالاطلاق تابع لنية الفاعل لا لكمية المفعول . وأخيرا يذكر أرسطو ان كل سعادة الانسان في هذه الدنيا : لا نظرة إلى ما وراء الحياة ، ولا رجاء ثواب . لقد حدق أرسطو كثيرا في الأرض ، ففاتته السماء ، وقصر عن أستاذه أفلاطون ، فقال بشيء من المرارة والتشاؤم : « أيها الناس ، لنعمل وظيفتنا كناس ، ولنكتف بسعادة نسبية » . ( الاخلاق إلى نيقوماخوس : مقالة أولى ، فصل حادي عشر ) . السياسة إذا انتقلنا من الاخلاق إلى السياسة فقد ارتقينا من علم أدنى إلى علم أعلى ، لان الدولة هي التي تهيئ للافراد الأسباب المادية والأدبية للحياة الفاضلة ، تحمي حياتهم وتتعهدهم بالتعليم والتربية ، فيتعاونون على اكتساب الفضائل والعلوم وتحقيق انسانيتهم . وهي في أداء مهمتها هذه تسترشد بالأخلاق طبعا ، تشرعها قوانين وتحوطها بسياج من الرهبة يزيد في احترامها ؛ ولكنها تسترشد أيضا بغير علم الاخلاق من العلوم والفنون ، كعلم الاقتصاد وتوفير الرخاء ، وكفن الحرب لصيانة الاستقلال ، وما إليها من وسائل الرقي وعوامل الحضارة . فالدولة الحكم الاعلى في المجتمع توجه جهوده إلى غايته ، وتستخدم الفنون والصناعات ؛ والعلم الخاص بها ارفع العلوم العملية جميعا . وعلى ذلك فدعوى السوفسطائيين ساقطة ، إذ يقولون إن الاجتماع وليد العرف أو